١.٢ المجادلة


تعريف المجادلة

الجدل في اللغة: هو اللدد في الخصومة والقدرة عليها، ويقال: جادلت الرجل فجدلته جدلا -أي: غلبته- ورجل جدل إذا كان أقوى في الخصام وجدله أي: خاصمه مجادلة جدالًا، والاسم الجدل، وهو شدة الخصومة، وفي الحديث الشريف: ((ما أوتي الجدلَ قوم إلا ضلوا)).
الجدل: مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة المناظرة والمخاصمة، والمراد به في الحديث الشريف الجدل على الباطل، وطلب المغالبة به لا إظهار الحق، فإن ذلك محمول لقوله -عز وجل-: ((وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن)) [النحل: من الآية: ١٢٥]. ويقول صاحب (المصباح المنير) جدل مجادلة وجدالا إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب، هذا أصله، ثم استعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها، وهو محمود إن كان للوقوف على الحق، وإلا فمذموم. يقول: صاحب (مختار الصحاح): جادله: خاصمه مجادلة وجدالا، والاسم: الجدل، وهو شدة الخصومة، وهكذا فالجدل في اللغة يدور حول المعارضة والمغالبة والخصومة.
وفي (المفردات) الجدال: المعارضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله: من جدلت الحبل أي: أحكمت فتله، ومنه: الجديل، وقيل: الأصل في الجدال: الصراع، وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة.


١.٢ المجادلة


أقسام الجدلst

وهكذا نجد من خلال المعنى اللغوي لكلمة جدل، ومجادلة نجد أنها في الأصل طلب المغالبة لا من أجل إظهار الحق، وإنما لمجرد الانتصار على الخصم فقط، وهذا بلا شك مذموم، ولا يستعمله الداعية بأي حال، أما إذا كان لأجل إظهار الحق فمحمود.
وبهذا يتبين لنا أن الجدل نوعان: جدل مذموم، وجدل محمود، فأما الجدل المذموم: فهو الذي يقصد به صاحبه المغالبة، وشدة الخصومة، ولا يبغي من ذلك إظهار الحق، وقرع الحجة بالحجة، بل يريد مجرد الجدال، وإظهار براعته وتفوقه في ذهنه، أو في عرضه إظهار الحق، وبيان الصواب، وهذا بلا شك هو الجدل الذي ذمه الله -عز وجل- وذمه رسوله -صلى الله عليه وسلم- وحذر الدعاة منه.
وقد نص القرآن الكريم على تحريمه في قوله تعالى: ((مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)) [الزخرف: من الآية: ٥٨] وقال تعالى: ((وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَل)) [الكهف: من الآية: ٥٤] وفي مثل: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((دع المراء وإن كنت محقا)) وقوله -صلوات الله، وسلامه عليه-: ((أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا)) وهذا فيمن خرج عن أدب الجدل، أو لم ينزل على الحق بعد ظهوره، كدأب الكفار مع الرسل -عليهم السلام.


١.٢ المجادلة


وأما الجدال المحمود المدعو إليه، فهو الذي يحق الحق، ويكشف عن الباطل، ويهدف إلى الرشد مع من يرجى رجوعه عن الباطل إلى الحق، وفيه قال تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل: ١٢٥] وقال سبحانه: ((ولا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [العنكبوت: من الآية: ٢٦] وعلى الدعاة ألا ينسوا أن الجدال بالتي هي أحسن، إنما يهدف إلى إقناع الناس بصدق الإسلام، ونصاعة مبادئه، وعظمة تعاليمه، ومن ثم فهم مطالبون بمراعاة الحكم في استعماله بحيث يستخدم فيه الحوار الهادي، والقول الرفيق اللَّيِّن، وأن يتم بالطريقة -لا أقول الحسنة- بل التي هي أحسن.
والسؤال الآن: ما العلة من دعوة الإسلام لأن تكون المجادلة بالتي هي أحسن؟ ونقول: إنما نص القرآن الكريم على أن تكون المجادلة بالتي هي أحسن؛ لأننا -كما ذكرنا- نجد أن الجدل في أصل استعماله اللغوي يعني: شدة الخصومة وكل طرف سيحاول أن يثبت صحة ما يقوله بكل الطرق، وإظهار خطأ ما عند الآخر أيضًا بكل الوسائل، وهذا كله من أجل الانتصار على الخصم وفقط، وهذا -بلا شك- سيؤدي إلى العداوة والبغضاء، ويورث الحقد والضغائن.
وأيضًا -وهذا هو الأهم- أن الله -عز وجل- دعانا إلى أن يكون جدالنا مع من ندعوهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، وذلك لأن الإسلام واضح وجلي وكل ما فيه حق وثابت، وحري بدعوة ودين كهذا أن ندعو إليه بالحجة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولا يجوز أيضًا أن ندعو إلى الحق بوسيلة فيها باطل؛ لأن ما في الإسلام من الحق والوضوح يغنيه عن ذلك -أي: عن المجادلة بالباطل- ومن هنا فقد كان الجدال المسموح به في نشر الإسلام هو الجدال بالتي هي أحسن بلا شتم، أو تقريع، أو توبيخ لا تكون نتيجته إلا نفور الخصم وإظهار عداوته، وهذا ما لا يرضاه الإسلام.


١.٢ المجادلة


وفي القرآن الكريم أمثلة عظيمة على الجدل المحمود الذي يبغي الوصول للحق، وإظهار الصواب فمثلًا حينما سأل اليهود رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الروح أنزل الله -عز وجله- قوله: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا)) [الإسراء: ٨٥] وحينما سأله المشركون عن الساعة قال تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا)) [النازعات: ٤٢، ٤٤] وهكذا نجد أن الجدل القرآني جدل هادف، الغرض منه إظهار الحق والصواب، وهو بهذا يعلمنا أن الجدل الممدوح هو في تقرير الحق، وإظهار الصواب، أما المذموم منه، فهو في تقرير الباطل؛ ولهذا أمرنا القرآن الكريم حينما نجادل أن يكون جدالنا بالتي هي أحسن، وجعل الله -عز وجل- ذلك أساسًا من أسس نجاح الدعوة، ونجاح الداعية؛ لأن ما يدعو إليه حق لا يحتاج إلى مجادلة بالتي هي أحسن.
وقد عرض القرآن الكريم نماذج من الدعوة إلى الله تعالى بالجدال بالتي هي أحسن في صورة رائعة يستفيد منها دعاة عصرنا في حياتهم، نذكر من ذلك موقف سيدنا إبراهيم من أبيه سيدنا إبراهيم -عليه السلام- هو أبو الأنبياء والمرسلين يفتح عينيه فيجد نفسه بين قوم يعبدون الأصنام، ويقدسونها من دون الله -عز وجل- فيغضب الله تعالى على هذا الفعل من هؤلاء القوم، ويشتد غضبه عندما يجد البيت الذي تربى وترعرع فيه توضع فيه الأصنام على أنها آلهة تعبد من دون الله، ومن الذي يصنع هذه الأصنام؟ إنه أبوه فلا بد إذن من مواجهة أبيه قبل أن يواجه المجتمع الذي يعيش فيه، ودار الحوار بين سيدنا إبراهيم -عليه السلام- وأبيه، ولكنه حوار اتسم بالأدب، والجدال الحسن، فيقول لأبيه -كما حكى القرآن الكريم-: ((يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّا)) [مريم: ٤٢ : ٤٥].


١.٢ المجادلة


لقد كان والد إبراهيم في مقدمة عابدي الأصنام، بل كان ممن ينحتها ويبيعها، وقد عز على إبراهيم -عليه السلام- فعل والده -وهو أقرب الناس إلى قلبه- فرأى من واجبه أن يخصه بالنصيحة، ويحذره عاقبة كفره، لقد خاطب أباه بلهجة تسيل أدبًا ورقة، مبينًا بالبرهان العقلي بطلان عبادته للأصنام، انظر كيف استهل إبراهيم -عليه السلام- كلامه عند كل نصيحة بقوله: "يا أبت" توسلًا إليه، واستعطافًا لقلبه مع استعمال الأدب الجم، وهذا كلام يهز أعطاف السامعين، وبعد هذا الحوار الهادي، والحديث الشيِّق الصادر من قلب مملوء بالإيمان، قلب يحب الخير للناس أجمعين، فكيف بأبيه وأهله؟
نجد أن أباه يثور عليه ويتوعده، وكأنه يقول له: كيف ترغب عن آلهة أصنعها بيدي وأعبدها، وأنت ابني؟ كان الأولى بك والأجدر أن تكون أول متقرب لهذه الإلهة، ثم يهدده إن ترك هذه الإلهة، وتمسك بالدين الجديد الذي تمسك به فيقول له -في صورة المتعجب-: ((أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّا)) [مريم: من الآية: ٤٦] وكان جواب سيدنا إبراهيم -عليه السلام- لأبيه بعد هذا التهديد بالرجم والضرب أن قال له: ((قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّا)) [مريم: ٤٧] فقد بلغ سيدنا إبراهيم -عليه السلام- رسالة ربه، وأدى ما عليه من أمانة، وأوضح لأبيه الطريق الصحيح الذي يسلكه، واستغفار سيدنا إبراهيم -عليه السلام- لأبيه مع كفره وعناده كان عن موعدة وعدها إياه، اسمع إلى قوله -عز وجل-: ((وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)) [التوبة: ١١٤].


١.٢ المجادلة


وبعد ما أدى ما عليه من أمانة اتجاه، والده بنصحه وتذكيره وتبصيره، ثم الاستغفار له لم يرض بهذا المقام التي تعبد فيه الأصنام من دون الله -عز وجل- ولذلك اعتزل القوم وما يعبدون، واتخذ لنفسه منهجًا يسير عليه، قال تعالى: ((وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّا)) [مريم: ٤٨] ولكن ماذا كانت نتيجة الاعتزال من جانب إبراهيم -عليه السلام؟ يوضح القرآن الكريم هذه الحقيقة فيقول: ((فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّا)) [مريم: ٤٩- ٥٠ ].
يقول ابن كثير في تفسيره: فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله -عز وجل- أبدله الله تعالى من هو خير منهم ووهب له إسحاق ويعقوب، يعني: ابنه وابن إسحاق، أي: جعلنا له نسلًا وعقبًا، أنبياء أقر الله بهم عينه في حياته؛ ولهذا قال: ((وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّ)) وقوله -عز وجل-: ((وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّا)) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "يعني الثناء الحسن".
وقال ابن جرير: إنما قال: عليًّا؛ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم -صلوات الله وسلامه عليهم- أجمعين.


١.٢ المجادلة


وموقف آخر لسيدنا إبراهيم -عليه السلام-: بعد أن فرغ سيدنا إبراهيم من دعوة أبيه وقومه إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام؛ لأنها لا تنفع ولا تضر، ولأنها لا تسمع ولا تبصر؛ كان لا بد من مواجهة مع هذا المجتمع الذي يتوجه نحو الكفر، ويعيش فيه هذا المجتمع الذي ألف عبادة الأصنام، واستقر عليها مدعيًا أنها عبادة الآباء والأجداد، فكيف يتركوها لهذا الدين الجديد الذي جاء به إبراهيم -عليه السلام؟ يحدثنا القرآن الكريم عن هذه المحاورة التي دارت بين سيدنا إبراهيم -عليه السلام- وبين عبدة الأصنام قال تعالى: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ اللاَّعِبِينَ قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ)) [الأنبياء: ٥١ : ٥٨].
فإبراهيم -عليه السلام- بتحطيمه الأصنام أقام دليلًا حسيًّا لقومه على بطلان عبادة الأصنام، فلو كانت آلهة حقيقية لدافعت عن نفسها، وأصابت بالضرر من أرادها بسوء، وهذه الحقيقة التي فطن لها الإمبراطور هديوشي إمبراطور اليابان، فقد شيد هذا الإمبراطور تمثالًا ضخمًا لبوذا، ولم يكد يتم بنائه حتى زلزلت الأرض في سنة ١٥٩٦ فألقت به على الأرض هشيمًا، ويروى في اليابان أن هديوشي رمى الصنم المحطم بسهم قائلًا له في ازدراء: لقد أقمتك ها هنا بباهظ النفقات فلم تستطع حتى حماية معبدك.


١.٢ المجادلة


ورجع القوم من عيدهم فوجدوا الأصنام كلها محطمة ما عدا الصنم الكبير الذي يتوسطهم، وهنا لا بد من التساؤل من الذي فعل هذا بالإلهة، إنه ظالم بفعله، فيقول بعضهم: سمعنا فتى -يقال له: إبراهيم- يذكر هذه الإلهة بسوء، ويسرع الجميع في طلب إبراهيم، وتقديمه للمحاكمة العاجلة، قال تعالى: ((قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذًَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ)) [الأنبياء: ٥٩- ٦١] وهنا تحين الفرصة لسيدنا إبراهيم -عليه السلام- لكي بين لهم على ملأ من الناس سفاهة عقولهم، وتفاهة معبوداتهم؛ لأنها لو كانت إلهة -كما يعتقدون- لدافعت عن نفسها ولما حدث ما حدث من تكسير وتحطيم فسألوه قائلين: ((أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذًَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذًَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ)) [الأنبياء: ٦٢ : ٦٣] وهذا تهكم واستهزاء وسخرية من سيدنا إبراهيم -عليه السلام- لهؤلاء الناس الذين يعبدون آلهة لا تنطق، بل لا تستطيع أن تدفع عن نفسها ضرًّا، أو تجلب لنفسها نفعًا.
يقول الإمام ابن كثير: وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم -عليه السلام- أن يبين في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم، وقلة عقولهم في عبادة هذه الأصنام التي لا تدفع عن نفسها ضرًّا، ولا تملك لها نصرًا، فكيف يطلب منها شيء من ذلك، ثم تنتهي المحاكمة بالحرق لإبراهيم -عليه السلام- فينجيه الله -عز وجل- من كيدهم: ((فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَسْفَلِينَ)) [الصافات: ٩٨].


١.٢ المجادلة


مواقف من مجادلة النبي -صلى الله عليه وسلم

أيضًا كانت هناك مواقف لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- تدل على حسن مجادلته لقومه، نذكر من ذلك موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- من عتبة بن ربيعة، فقد أرادت قريش أن تجرب أسلوب الترغيب مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ما جربت أسلوب الترهيب، فأرسلت عتبة بن ربيعة -وكان معروفًا بالهدوء والرزانة- فذهب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان جالسًا وحده في المسجد الحرام، وقال له: يا ابن أخي إنك مني حيث قد علمت من البسطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((قل يا أبا الوليد أسمع)) فقال: يا ابن أخي، إن كنت بما جئت به من هذا الأمر مالا؛ جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكا؛ ملكنك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أفرغت يا أبا الوليد، قال: نعم، قال فاسمع مني، قال: أفعل، فقال -صلى الله عليه وسلم-:



١.٢ المجادلة


((بسم الله الرحمن الرحيم ((حم تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ...)) [فصلت: من الآية: ١-٥] ثم مضى الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى وصل إلى قوله تعالى: ((فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ)) [فصلت: ١٣] لم وصل الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك أمسك عتبة على فمه، ورجاه أن يكف خشية أن يقع العذاب على قومه، واستمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى انتهى إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك)).
فرجع عتبة إلى قريش بوجه غير الوجه الذي ذهب به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت قريش: نحلف بالله- لقد جئنا أبا الوليد بغير الوجه الذي ذهب إليه، فلما ذهب إليهم قالوا: ما وراءك، قال: ورائي أبي، قد سمعت قولًا -والله- ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، واجعلوها لي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.
لننظر إلى هذا الذي حدث، وموقف النبي -صلى الله عليه وسلم- منه، حتى اقتنع أبو الوليد عتبة بن ربيعة بوجهة نظر النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- على أن للجدل ضوابط، لا بد أن نذكرها حتى يكون الجدل جدلا محمودًا حسنًا:

١.٢ المجادلة


فأما الضابط الأول: فهو ذكر الطرف الآخر بالخير بدون تكليف، فقد علمنا أن الغرض من الجدل هداية المدعو، وكل الناس في منظور الدعوة إلى الله تعالى مدعوون، قال الله تعالى: ((قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا)) [الأعراف: من الآية: ١٥٨] وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((بعثت إلى كل أحمر وأسود)) وهذا الذي دخلنا معه في جدل دعوي لا ننفره منّا حتى لا يتأكد له من قبل شيطانه ونفسه أن هؤلاء الدعاة جاءوا لإظهار معايبه واحتقاره، ويضع أصابعه في أذنيه، ويصر على الاحتفاظ بالران الذي غلب على قلبه.
والحق أنه ليس هناك شر مطلق إلا في إبليس وجهنم، فنحاول جاهدين أن يكون الجدال بالتي هي أحسن، قال تعالى: ((وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن)) وقال للمؤمنين -كما جاء في القرآن الكريم-: ((ولا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [العنكبوت: من الآية: ٤٥].
يقول القاسمي في تفسيره: دل قوله تعالى: ((وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن)) على الحث على إتباع الحق والرفق، والمدارة على وجه يظهر منه أن القصد إثبات الحق، وإزهاق الباطل، وأنه لا غرض سواه، وقال قبل هذا: جادل معاندهم بالطريقة التي هي أحسن -طرق المجادلة من الرفق واللين، وحسن الخطاب من غير عنف- فإن ذلك أبلغ في تسكين لهيبهم، وعن التقيد في الحق في الثناء على الطرف الآخر المجادل.


١.٢ المجادلة


ضوابط الجدل

يقول ابن حجر -رحمه الله-: وقد يحتاج المجادل الثناء على من يجادله؛ لتحقيق غرض معين، كأن يقصد إشعاره بالتقدير والاحترام، والاعتراف بأهميته وفضله، حتى يكون ذلك طريقًا إلى إقناعه، وتصحيح أخطائه، ولكن يحترز في مثل هذا من الإفراط في المدح بما ليس فيه، والتأكد من عدم تسلل الغرور والكبر إلى نفسه، فإن سلم المدح من مثل هذه الأمور لم يكن به بأس، وربما كان مستحبًّا.

تحديد مواضع الاتفاق والاختلاف

الضابط الثاني -من ضوابط المجادلة بالتي هي أحسن-: هو تحديد مواضع الاتفاق والاختلاف، فتحديد مواضع الاتفاق والاختلاف يحصر الجدل الدعوي في مكان معين، ويوفر الوقت وينشئ جوًّا من الود والتفاهم، يترتب عليه استعداد المدعو التنازل عن الباطل الذي يجادل عنه، خاصة بعد ما علم أن الداعية يتفق معه في كذا وكذا، هو فقط يختلف معه في قضية كذا وكذا، وإذا أضفنا إلى ما سبق تركيز الداعية على نقط الاختلاف بينه وبين المدعو، وتقديم الحجة تلو الحجة لعله يستطيع في نهاية الأمر أن يأخذ بيد هذا المدعو إلى طريق النجاة، بل كل ما يأتي به من حجج، إنما تأتي انطلاقًا من القضايا التي يسلم بها المدعو، وفي شكل منهج برهاني استدلالي.


١.٢ المجادلة


والأمثلة على ذلك من القرآن والسنة كثيرة، ففي القرآن الكريم، وفي سورة "النمل" من الآية التاسعة والخمسين إلى الآية الرابعة والستين في جدال دعوي مع المشركين، يبين لهم أن مواضع الاتفاق كثيرة، فهم -أي: المشركون- يقرون بأن الله هو الخالق المبدع الرازق المجيب للمضطر إذا دعاه -وإن كان كافرًا- ويهدي في ظلمات البر والبحر، ويختلف المشركون مع القرآن في قضية واحدة، وهي: تعدد الإلهة، والقرآن يدعوهم إلى التوحيد، وهم يشركون مع الله إلهًا آخر، فيأخذ القرآن الكريم مواضع الاتفاق السابقة كمقدمة منطقية توصل إلى نتيجة حتمية، هذه النتيجة هي موضع الاختلاف.
ومن تمام الفائدة نذكر الآيات الواردة في سورة "النمل" لنقف على ما ذكرناها، قال الله تعالى: ((أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)) [النمل: ٥٩ : ٦٤].


١.٢ المجادلة


وعلى نفس المنوال جاءت السنة المطهرة، ففي حديث الشاب الذي استأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالزِّنا نراه -صلى الله عليه وسلم- يحدد مع الشاب قضايَا لم يختلف الشاب فيها مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يأخذها النبي -صلوات الله وسلامه عليه- مقدمة لنتيجة منطقية، هذه النتيجة هي تصويب القضية المختلف فيها بين الشاب، والنبي -صلى الله عليه وسلم- والحديث لفظه كما يرويه أبو أمامة الباهلي: ((أن فتًى شابًا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله: ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه قالوا: مه مه، فقال: ادنه فدنا منه قريبًا، قال: اجلس، أتحبه لأمك؟ قال: لا والله -جعلني الله فداءك- قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله -جعلني الله فداءك- قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله -جعلني الله فداءك- قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله -جعلني الله فداءك- قال: ولا الناس يحبونه لخالتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)).
أرأيت كيف طرح المصطفى -صلى الله عليه وسلم- على الشاب نقاطًا مشتركة؟ الشاب لا يناقش فيها، ثم قرن -صلى الله عليه وسلم- كل اتفاق بالقضية المختلف فيها مستفيدا من تسليم الشاب بالمقدمة، والتي بنى النبي -صلى الله عليه وسلم- عليها النتيجة المقررة من وراء هذا الجدال الدعوي، ومن هذا الباب، كذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في يوم النحر، في حجة الوداع: ((أي يوم هذا? فسكتنا -يقول: الراوي- حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى، قال: فإن دمائكم وأموالكم وأعرضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه)).


١.٢ المجادلة


وخلاصة القول في هذه النقطة هو: أن على الداعية أن يدع المدعو يوافق في البداية على الأسئلة التي يطرحها عليه، ويجيب بنعم، وأن يحول ما استطاع بينه وبين لا؛ لأن كلمة لا عقبة كئود يصعب التغلب عليها، فمتى قال أحد: لا؛ أوجب عليه كبريائه أن يظل مناصرًا لنفسه، ومن ثم فالداعية اللبق هو الذي يحصل في مبدأ الأمر على أكبر عدد من الإجابة بنعم.

البعد عن الإنشاء

وأما الأمر الثاني من الضوابط التي ينبغي أن تتوفر للمجادلة بالتي هي أحسن هو: البعد عن الإنشاء، فمن ثوابت المنهج العلمي عند علماء المسلمين: إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل، وهذا التقعيد حريٌّ بأن يقطع السبيل على الإنشاء والارتكاب؛ لأنه إذا جاء الجدل من الداعية خال من الدليل بات ضربًا من الإنشاء، والإنشاء لا يقدم حجة، ولا يرقى إلى درجة من درجات القبول عند علماء المسلمين، ومن ثم فالداعية إذا دخل ميدان العمل الدعوي عن طريقة الموعظة، أو الجدل، أو أي طريق آخر من طرائق الدعوة إلى الله -عز وجل- عليه أن يقدم الدليل؛ لأن الكلام بدون دليل -كما ذكرت- إنشاء ودعوة تحتمل الصدق أو الكذب.


١.٢ المجادلة


فاليهود عندما قالوا: لن تمسنا النار إلى أيامًا معدودة رد القرآن الكريم مقالتهم تلك لخلوها من الدليل، ولم يكتف بهذا، بل بين أنها ضرب من ضروب الكذب، قال -سبحانه وتعالى-: ((وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [البقرة: ٨٠ : ٨١] وقال سبحانه: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)) [آل عمران: ٢٤] وقال -عز وجل-: ((وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)) [البقرة: ١١١].
والقرآن الكريم وضح لنا مسلك "الأنبياء" في مجادلتهم مع المدعوين فما من مرة إلا، وقدموا الدليل، فهذا سيدنا نوح -عليه السلام- يقول لقومه كما حكى القرآن الكريم في قوله تعالى: ((إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)) [هود: ٢٥- ٢٧].


١.٢ المجادلة


فهذه هي دعوى قوم نوح خالية تمامًا من الدليل وبالتالي لا ترقى إلى مرتبة الحجة، ولكن سيدنا نوح -عليه السلام وهو يريد إقناعهم- قدم الدليل المفند لدعواهم قال الله تعالى: ((قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)) [هود: ٢٨] فلقد تلطف سيدنا نوح -عليه السلام- في توجيه أنظارهم لإدراك القيم الخفية عليهم، والخصائص التي يغفلون عنها في أمر الرسالة والاختيار، ولم يكتفي بهذا، بل بصرهم بأن الأمر ليس موكولًا إلى الظواهر السطحية التي يقيسون بها، كما أنه -عليه السلام- لن يكرههم على أمر العقيدة، فالأمر اختيار إليهم، قال الله تعالى: ((اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه)) [الأنعام: من الآية: ١٢٤] ومن لم يقتنع لا يرفض حبًّا في الرفض، وإنما عليه أن يقدم مبررًا لفعله هذا.
ولم يكن نوح -عليه السلام- بدعًا من الرسل فيما ذهب إليه، فكلهم قدم الدليل على أنه نبي، وعلى كل دعوى أتى بها قال الله تعالى على لسان سيد الرسل محمد -صلى الله عليه وسلم-: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي)) [يوسف: من الآية: ١٢٨] ويقول نبي الله شعيب لقومه كما قال القرآن الكريم: ((وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)) [الأعراف: من الآية: ٨٥] وقدم موسى، وهارون -عليهما السلام- الدليل على نبوتهم لفرعون وملئه قال تعالى: ((فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى)) [طه: ٤٧]. ومعجزات كل رسول تحمل رسالة صريحة لكل مدعو تثبت صدقه في دعوى الرسالة، وتبين أنه رسول الله حقًّا وصدقًا.


١.٢ المجادلة


البعد عن الانفعال المؤدي إلى الهياج، ورفع الصوت

الضوابط اللازمة للمجادلة بالتي هي أحسن حتى تأتي على وجهها الصحيح: البعد عن الانفعال المؤدي إلى الهياج، ورفع الصوت، نعم كما من جدل بدأ بشكل علمي، سرعان ما يتحول إلى مكابرة، والسبب هو انفلات الزمام من المجادل، فإذا كان هذا في الميادين العلمية المتعددة، فما بالك بميدان الدعوة إلى الله -عز وجل- والمدعو قد زين له الشيطان الشهوات، وحفت جنته بالمكاره، وقد يقول: بل سيقول للداعية كلامًا يغضبه، فلا يصل به الغضب إلى حد المكابرة، أو الهياج، وفقدان المنهج العلمي، ويتحول الجدل إلى مهاترة، فإن حدث هذا من طرف المدعو فليس بمستغرب؛ فما أكثر المدعوين الجهلة، وما أحوج الدعاة إلى الحلم، والبعد عن الانفعال المؤدي إلى الهياج، والسبيل إلى ذلك: أن يثق الداعية بنفسه، وأن يستمع بكلتي أذنيه، وأن يعلم دائمًا أن المدعو كالمريض، وأن الداعية كالطبيب الذي يقدم الدواء المر أحيانًا، وأن العلاقة ليست علاقة تضاد، أو أن ميدان الدعوة حلبة للتصارع.
وصاحب كتاب (أصول الحوار) يضرب المثل في ذلك بالبحر، فيقول: الماء العميق أهدأ، إذ نجد الصخب والضجيج على الشاطئ؛ حيث الماء الضحل، ولا جواهر، ولا درر، وتجد الهدوء، والسكون لدى الماء الأعمق؛ حيث نفائس البحر، وكنوزه.
إذن فعل الداعية حين يجادل أن يكون مجادلته بالتي هي أحسن، وهي المجادلة المحمودة، وإلا أصبح جدلًا مذمومًا يضير أكثر مما يهدي السبيل.


١.٢ المجادلة



١.٢ المجادلة